طريق السعادة
أخي الزائر لنا عظيم الشرف أنك تتصفح منتدى طريق السعادة و يسعد ان تسجل فيه كفرد من هذه الأسرة
و جزاك الله خيرا

تخريج العمالقة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تخريج العمالقة

مُساهمة من طرف عمار بو عالية في الجمعة فبراير 10, 2017 3:17 pm

لقد اقتضت حكمة الباري جل وعلا أن خلق البشر وجعلهم متفاوتين في
الصور والهيئات والألوان ، بَلْهَ القوةَ والضعف ، والصحة والمرض ، والغنى
والفقر ، فضلاً عن التفاوت العظيم بينهم في الهمم والإرادات ، والميول والرغبات ،
والفهوم والمَلَكَات ، كل ذلك لحِكَم عظيمة بها تقوم حياة الناس وتتحقق مصالحهم ،
ويُسخَّر بعضهم لبعض ، ومن ثَمَّ أيضاً يتفاوت حسابُهم بحسب ما أعطاهم الله تعالى
من الأَعْراض والمَلَكَات ، كما قال تعالى : ] أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا
بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضاً سُخْرِياً [ ( الزخرف : 32 ) ، وقال سبحانه أيضاً في آخر الأنعام : ] وَهُوَ
الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [
( الأنعام : 165 ) .
وهذا التفاضل ينتج عنه تَمَايُزٌ في السعي والتحصيل في العلوم والصنائع ،
ومن ثَمَّ يحصل التكامل الذي به تكون عمارة الأرض وبناء الحضارة ؛ فهذا يكون
رأساً في العلوم الشرعية ، وذاك نابغة في العلوم التجريبية ، وثالث هَامَة في الفنون
القتالية ، ورابع باقِعَة [1] في التدبير والسياسة .. . وهكذا .
وإنما هذه المهارات بمنزلة الزرع ؛ فهو يقوى ويشتد ، ويُؤتي ثماره المرجوة
بأمرين :
الأول : قابلية المحلّ .
الثاني : القيام عليه وتعاهده بالسقي والرعاية .
فهو عند اجتماع الأمرين يكون بمنزلة جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها
ضعفين ، وإن لم يصبها وابل فيكفيها طَلٌّ حتى تُخرِج من كل زوج بهيج .
وبانعدام أحدهما لا يحصل المطلوب ؛ ذلك أن من يحاول علماً لا يتناسب مع
ميوله وقدراته كمن يزرع جوز الهند في الأندلس كما قال ابن حزم أو النخيل في
أحد القطبين !!
وهكذا نَفَاسَة المعدن ، وتوقُّد الذكاء ، وقابلية المحل ، لا تكفي من غير صقل
وتربية وعناية .
وعليه يقال : مقومات النبوغ والتفوق والإبداع بعد توفيق الله تعالى أربعة :
الأول : الإخلاص لله تعالى وتقواه ، خاصة إذا كان العلم المطلوب شرعياً .
وقد جاء في بعض رسائل الشيخ حمد بن عتيق ( ت 1301هـ ) رحمه الله ما
نصه : « .. . ومن تأمل أحوال العالم وجد ما يشهد به ، فيجد من يَشِبّ ويشيب
وهو يقرأ ولم يُحصِّل شيئاً لمانع قام به وحال من نفسه » [2] .
ولما وقعت عين الإمام مالك رحمه الله لأول مرة على الإمام الشافعي رحمه
الله وهو في أوائل الطلب قال له مالك رحمه الله : « إن الله عز وجل قد ألقى على
قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية » [3] . وفي رواية عند ابن عساكر : « فلما أن سمع
كلامي نظر إليَّ ساعة [4] وكان لمالك فراسة فقال لي : ما اسمك ؟ فقلت : محمد ،
فقال لي : يا محمد ! اتق الله واجتنب المعاصي ؛ فإنه سيكون لك شأن من
الشأن » [5] .
الثاني : توفر المَلَكَة والأهلية في ذلك الفن .
الثالث : أن يوفَّق إلى المربي الفطن الذي يتمكن من اكتشاف مواهبه والتفرس
في مَلَكَاته منذ مراحله الأولى ، فيوجهه إلى تنمية تلك القُدرات ، ويَكِلُه إلى من لديه
القدرة على صقلها وتقويتها .
الرابع : وجود البيئة الملائمة من التلاميذ الذين يتفقون معه في النبوغ والتفوق
من جهة ، والأساتذة البارعين في هذا الجانب من جهة أخرى .
وإذا وقع الإخلال بشيء من ذلك فالنتيجة المنتظرة هي الفشل والضمور
والتضاؤل ، ومن ثَمَّ تكون الثمرة : تخريج الأقزام بدلاً من العمالقة . والله المستعان .
ولعل من المناسب في هذا العصر الذي برز فيه الحديث عن الموهوبين أن
أنقل لك كلاماً لعَلَم من أعلام المسلمين في هذه القضية الحيوية ، وهو الإمام
الشاطبي رحمه الله ( ت 790هـ ) حيث يقول في معرض كلامه على فروض
الكفاية : « وذلك أن الله عز وجل خلق الخلق غير عالمين بوجوه مصالحهم ، لا في
الدنيا ولا في الآخرة ، ألا ترى إلى قول الله تعالى : ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [
( النحل : 78 ) ، ثم وضع فيهم العلم بذلك على التدريج والتربية ؛ تارة بالإلهام كما
يُلهَم الطفلُ الْتِقام الثَّدْي ومصَّه ، وتارة بالتعليم ؛ فطلب الناس بالتعلم والتعليم لجميع
ما يُستجلَب به المصالح وكافة ما تُدْرأ به المفاسد ، إنهاضاً لما جُبِلَ فيهم من تلك
الغرائز الفِطْريَّة ، والمطالب الإلهامية ؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح
سواء كان ذلك من قبيل الأفعال ، أو الأقوال ، أو العلوم والاعتقادات ، أو الآداب
الشرعية أو العادية وفي أثناء العناية بذلك يَقْوى في كل واحد من الخلق ما فُطر
عليه ، وما أُلْهِم له من تفاصيل الأحوال والأعمال ؛ فيظهر فيه وعليه ، ويُبرِّز فيه
على أقرانه ممن لم يُهيأ تلك التهيئة ؛ فلا يأتي زمانُ التعقُّل إلا وقد نجم [6] على
ظاهره ما فُطر عليه في أوَّليَّته ؛ فترى واحداً قد تهيَّأ لطلب العلم ، وآخر لطلب
الرياسة ، وآخر للتصنع ببعض المهن المحتاج إليها ، وآخر للصِّراع والنطاح ، إلى
سائر الأمور .
هذا وإن كان كلُّ واحدٍ قد غُرز فيه التصرف الكلي ؛ فلا بدَّ في غالبِ العادة
من غَلَبة البعض عليه ؛ فيردُ التكليفُ عليه معلَّماً مؤدَّباً في حالته التي هو عليها ؛
فعند ذلك ينتهضُ الطلبُ على كل مكلف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهضٌ
فيه ، ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات ؛ فيراعونهم بحسبها
ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم ، ويعينونهم على القيام
بها ، ويحرضونهم على الدوام فيها ؛ حتى يبرز كل واحد فيما غلب عليه ومال إليه
من تلك الخُطط [7] ، ثم يخلى بينهم وبين أهلها ، فيعاملونهم بما يليق بهم ليكونوا من
أهلها ، إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية ، والمدْركات الضرورية ؛ فعند ذلك
يحصل الانتفاع ، وتظهر نتيجة تلك التربية .
فإذا فُرِضَ مثلاً واحدٌ من الصبيان ظهر عليه حسنُ إدراك ، وجودة فهم ،
ووفور حفظٍ لما يسمع وإن كان مشاركاً في غير ذلك من الأوصاف مِيل به نحو ذلك
القصد ، وهذا واجبٌ على الناظر فيه من حيث الجملة مراعاةً لما يُرجى فيه من
القيام بمصلحة التعليم ، فطلب بالتعلم وأُدِّب بالآداب المشتركة بجميع العلوم ، ولا بد
أن يُمال منها إلى بعض فيؤخذ به ، ويُعان عليه ، ولكن على الترتيب الذي نصَّ
عليه رَبَّانِيُّو العلماء ، فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعه إليه على الخصوص ،
وأحبَّه أكثر من غيره ؛ تُرك وما أحب ، وخص بأهله ؛ فوجب عليه إنهاضه فيه
حتى يأخذ منه ما قدر له ، من غير إهمال له ولا ترك لمراعاته ، ثم إن وقف هنالك
فحسن ، وإن طلب الأخذ في غيره أو طُلب به ؛ فُعل معه فيه ما فعل فيما قبله ،
وهكذا إلى أن ينتهي .
كما لو بدأ بعلم العربية مثلاً فإنه الأحقُّ بالتقديم ؛ فإنه يُصرَف إلى معلميها ؛
فصار من رعيتهم ، وصاروا هم رُعاةً له ؛ فوجب عليهم حفظه فيما طلب بحسب ما
يليق به وبهم ، فإن انتهض عزمه بعدُ إلى أن صار يحْذِقُ القرآن صار من رعيتهم ، وصاروا هم رُعاةً له كذلك ، ومثله إن طلب الحديث أو التفقه في الدين إلى سائر
ما يتعلق بالشريعة من العلوم ، وهكذا الترتيب فيمن ظهر عليه وَصْفُ الإقدام
والشجاعة وتدبير الأمور ، فيُمال به نحو ذلك ، ويُعلَّم آدابه المشتركة ، ثم يصار به
إلى ما هو الأوْلى فالأوْلى من صنائع التدبير ؛ كالعرافة ، أو النقابة ، أو الجندية ،
أو الهداية ، أو الإمامة ، أو غير ذلك مما يليق به ، وما ظهر له فيه نجابة ونهوض ، وبذلك يتربى لكل فعلٍ هو فرضُ كفايةٍ قومٌ ؛ لأنه سير أولاً في طريق مشترك ؛
فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة ،
وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات
الكفائية ، وفي التي يَنْدُر من يصل إليها ؛ كالاجتهاد في الشريعة ، والإمارة ؛ فبذلك
تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخر » [8] .
________________________
(1) الباقعة : الرجل الداهية ، والذكي العارف الذي لا يفوته شيء ولا يُدهى (القاموس ، مادة : بقع).
(2) مجموعة رسائل الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله ، ص 112 (طبع دار الهداية الرياض) .
(3) مناقب الشافعي للبيهقي ، ص 103 ، 104 .
(4) ساعة : كناية عن إطالة النظر .
(5) مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ، 21/363 .
(6) أي : ظهر انظر : «لسان العرب» (ن ج م) .
(7) أي : الأمور والأحوال انظر : «لسان العرب» (خ ط ط) .
(Cool الموافقات ، 1/284 286

عمار بو عالية
المشرف العام
المشرف العام

عدد المساهمات : 14
نقاط : 29425
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 28/12/2016

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى