طريق السعادة
أخي الزائر لنا عظيم الشرف أنك تتصفح منتدى طريق السعادة و يسعد ان تسجل فيه كفرد من هذه الأسرة
و جزاك الله خيرا

كفى عبثا باللباس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

كفى عبثا باللباس

مُساهمة من طرف أسامة في السبت فبراير 11, 2017 9:44 am

بسم الله الرحمن الرحيم
لباس المرأة.. إلى أين؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..، وبعد.
فإن حديثنا في هذه المحاضرة سيكون -بإذن الله تعالى- حول لباس المرأة المسلمة؛ ذلك أنه قد كثر السؤال عن أحكام لباس النساء؛ نظراً لما تفشى في أوساطهنّ من التبذل في اللباس لاسيما في الأجازات؛ حيث تكثر المناسبات، ومن ثَمّ يكثر الإخلال بقضية اللباس.
عناصر الموضوع:
الأول:  شأن اللباس وارتباطه بالفطرة والدين والإيمان.
الثاني:  العوامل التي تؤثر في تطور اللباس.
الثالث:  لباس النساء في هذا الوقت.
الرابع:  أسباب هذا التحول الذي ابتليت به مجتمعات المسلمين في هذا الباب.
الخامس: شبهة رددها كثير من النساء وهي أن حدود عورة المرأة أمام النساء ما بين السرة والركبة!.
السادس:  حكم هذه اللباس التي تبرز مفاتن الجسد.
السابع:  علاج الظواهر السيئة المتعلقة بلباس المرأة.
القضية الأولى: شأن اللباس ومدى ارتباطه بالفطرة والإيمان والدين:
إن اللباس يرتبط ارتباطاً كببراً بالوجود الإنساني من أوله، فالله -عزَّ وجلَّ- حينما خلق آدم -صلى الله عليه وسلم- وخلق زوجَه حواء وأسكنه الجن خاطبه على سبيل الامتنان بقوله –جل وعلا-: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى* وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [(118-119) سورة طـه].
فكان لباس آدم وحواء -عليهما السلام- من ثياب الجنة وزينتها، فلما أكلا من الشجرة انزاحت عنهما تلك الألبسة من الثياب وبدت العورات، {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [(121) سورة طـه]، ويضعان ذلك ستراً لعوراتهما كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} [(22) سورة الأعراف].
فهذه المبادرة السريعة من آدم وحواء إلى تغطية العورة التي انكشفت بسبب الأكل من الشجرة تدل على أن ستر العورات أمر فطري مغروز في كيان الإنسان وهو من صميم فطرته، كما أن ذلك يدل على أن التعري والتكشف خلاف الفطرة، وأنه يدل على نقص الحياء، وأن التعري إنما هو من عمل الشيطان وتزيينه كما قال الله -عزَّ وجلَّ-: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [(20) سورة الأعراف]: فالشيطان حسدهما، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن.
والله -عزَّ وجلَّ- يقول مخاطباً بني آدم: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا} [(27) سورة الأعراف]، فإبليس يعمل جاهداً لتعرية هذا الإنسان، ومن أجل كشف سوءته.
فهذه الآيات تدل على أهمية هذه المسألة وعمقها في الفطرة البشرية، فاللباس زينة للإنسان وهو ستر لعورته الجسدية، كما أن التقوى ستر لعوراتنا النفسية، والفطرة السليمة المستقرة تنفر من انكشاف العورات الجسدية، كما أنها تنفر من انكشاف العورات النفسية.
وبهذا نعلم أن أولائك الذين يحاولون تعرية الجسد من اللباس وتعرية النفس من التقوى والحياء إنما يعملون على سلب الإنسان فطرته، وأنهم إنما يريدون إسلامك إلى عدوك إبليس الذي كان سبباً لتنزع لباسك من أول مرة، فالعري سمة حيوانية بهيمية لا يميل الإنسان إليها إلا حينما يرتكس إلى مرتبة هي أحط من مرتبة الإنسان، وإن رؤية العري جمالاً إنما هو انتكاس في الذوق البشري بلا مرية، ودليل على تخلف التفكير.
ولا نزال نرى إلى يومنا هذا –وللأسف الشديد- أقواماً في مجاهل الغابات في أفريقيا يعيشون كما ولدتهم أمهاتهم، وهؤلاء الأقوام لهم إخوان وصل الإسلام إليهم فكان من أوائل ما قدم الإسلام لهم اللباس وستر العورات، فهؤلاء قوم جاهليون حينما يأتيهم الإسلام يقدم لهم لوناً من ألوان الحضارة والرقي.
ويكفي في بيان أن قضية التعري من أمور الجاهلية أن الله -عزَّ وجلَّ- نهى أمهات المؤمنين عن ذلك بقوله: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب]، ففي الجاهلية الأولى التي كانت قبل مبعث النبي    -صلى الله عليه وسلم- كانت المرأة تخرج أمام الرجال مبدية لنحرها ويخرج شيء من شعرها، فنهى الله -عزَّ وجلَّ- أمهات المؤمنين عن هذا التكشف والتبذل فقال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [(33) سورة الأحزاب]، فدلَّ ذلك على أن التبذل في اللباس وأن كشف العورات من أعمال الجاهلية، فالمرأة التي تبدي جسدها أو تتبرج وتتكشف فيها من خصال الجاهلية بقدر ما فيها من التكشف والتبذل كما دلت على ذلك هذه الآية الكريمة.
فالمرأة التي تكون متحضرة حقيقة هي التي تحتشم فتتمسك بتعاليم الإسلام، على خلاف ما ينطبع في أذهان كثير من بنات المسلمين من أن المرأة التي تكون محتشمة هي امرأة متخلفة قديمة بدائية، والواقع عكس ذلك، فالمرأة المتمدنة المتحضرة هي التي تستر العورة خلاف ما عليه كثير من أمم الغرب والشرق الكافر من ارتكاس إلى الوَهْدة التي انتشل الإسلام الناس منها، ونقلهم إلى مستوى الحضارة بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف بقاء الإنسان في أحسن تقويم.
التلازم بين اللباس الجسدي واللباس النفسي:
فكما أن العري الجسدي نكسة وارتكاس وقع فيه من وقع ممن لا مروءة ولا حياء له فإن العري النفسي من التقوى والحياء نكسة حقيقية أيضاً وقع فيها كثير من الناس -نسأل الله العافية-، وقد جمع الله -عزَّ وجلَّ- بين السترين –الستر الجسدي والستر النفسي- وطلب من الناس أن يتلبسوا بهما فقال -سبحانه وتعالى-: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [(26) سورة الأعراف].
قال عبد الرحمن بن أسلم -رحمه الله- في قوله تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ}: "يتقي الله فيواري عورته فذاك لباس التقوى"([1]).
فهناك تلازم بين لباس العورات الجسدية وسترها وبين لباس العورات النفسية وهو التقوى، وكل واحد من الأمرين يؤثر في الآخر سلباً أو إيجاباً، فإذا رُزق العبد لباس التقوى واستقامت فطرته صار العري في عينه قبحاً، فاكتسى جسده بما يستر العورات، ومن قلَّت التقوى في قلبه قلَّ حياؤه وانتكست فطرته، فصار يرى  ما ليس بالحسن حسناً.
وبهذا نعلم أن ستر الجسد والحياء من تعريته ليس مجرد عرف بيئي كما يحلو لدعاة الشيطان أن يسموه، إنما هو دين وتُقى وعفاف وشرف، وحياء وفطرة، وشريعة إلهية تميز الإنسان عن غيره، فإذا فقد الإنسان هذه المعاني لم يبالِ الله -عز وجل- به في أي وادٍ هلك، ولذا نجد من خلت نفسه من التقوى والحياء، وانعكست فطرته يرى الستر عيباً ونقصاً.
تشابه أفعال الجاهلية الغربية بأفعال الجاهلية القديمة:
لقد كان المشركون رجالاً ونساءً يطوفون ببيت الله الحرام عراة كما ولدتهم أمهاتهم، وكما قالت إحدى النساء وهي تطوف بالبيت عارية:
اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه *** وما بدا منه فلا أُحِلُّه.
وكانوا يرون ذلك كمالاً وزينة ولا يرون به غضاضة ألبته، ولما قدم المسلمون إلى مكة وطافوا ببيت الله الحرام بلباس الإحرام؛ امتثالاً لأمر الله -عز وجل- في قوله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [(31) سورة الأعراف]، عيَّرهم المشركون ورأوا أن ذلك خللاً وقعوا فيه، وهكذا تنقلب الموازين، وتُمسخ الفطر والنفوس والتصورات والقيم.
فما تفعله الجاهلية القديمة يُشبه تماماً ما تفعله الجاهلية الغربية بمجتمعاتها المعاصرة ومن حاكاهم وتأثر بهم من غيرهم، وهذا كله لا يخرج عن الانتكاس المقيت الذي أنقذ الإسلامُ الناسَ منه وإن ادعوا أنه رقي وحضارة وتقدم؛ ليخدعوا السُّذج من الناس فيتوهموا أن التحضر بنـزع اللباس، وأن المرأة المحتشمة بلباس العفاف هي إمرأة متخلفة تقليدية، فالمسخ هو المسخ، والانتكاس عن الفطرة هو الانتكاس، وانقلاب الموازين هو انقلاب الموازين وإن اختلفت الأسماء والألقاب.
وما فعله المشركون عند الطواف كان نتيجة لتبديل دين إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- الذي تولى كبره عمرو بن لحي الخزاعي، كما أن العريَّ المعاصر بجميع أشكاله وصوره يقف وراءه شياطين من بيوت الأزياء العالمية ومصمميها، وشركات التجميل ودهاقنتها، فيصدروا صيحاتهم مرات في كل عام، وينعقوا بالقطعان الهائمة العارية في أرجاء المعمورة، فتطيعهم وتنقاد لهم انقياداً مزرياً، بغض النظر عن كون هذا اللباس أو هذا الزي الجديد لهذا الموسم أو تلك المناسبة يناسب قِوام هذه المرأة أو لا يناسبه، وسواء كانت مراسم التجميل والقصات تلائمها أو لا، فهي تطيع صاغرة منقادة، وإلا عُيِّرت من بقية القطعان المغلوبة على أمرها بأنها متخلفة رجعية.
وهكذا تكون المرأة بهذا تابعة لأولائك المفسدين المضلين من أعداء الدين والفضيلة، ودعاة العهر والرذيلة من يهود ونصارى، وكل أقلف مشرك، فيفسدون الشعوب والأمم ويجرونهم إلى الهاوية بهذا الهوس والخبل الذي لا تفيق منه مجتمعاتهم المعاصرة الغارقة في الانحلال الخلقي والنفسي.
لقد صارت المرأة -وللأسف الشديد- ألعوبة في يد مصممي الأزياء والتجميل حتى أركبوها المركب الصعب، وعملوا على جعلها طُعماً للإفساد والانحلال.
ومما يحسن لفت الأنظار إليه -وهو من المضحكات المبكيات- أن مصممي الأزياء في عام 1948م جعلوا الموضة في ذلك الحين أن تلبس المرأة ثوباً طويلاً يلامس القدم فعمَّ ذلك وانتشر وتلقفه الناس عنهم، وهكذا في بعض الأحيان يصبح الطويل مستحسناً، ثم في أحيان أخرى يصبح القصير مستحسناً والطويل الساتر مستهجناً، وهكذا يُلعب بعقول الناس وبمبادئهم وأعراضهم وأديانهم وأفكارهم.
قضية اللباس مرتبطة بالشريعة الإسلامية:
إن قضية اللباس وستر العورات قضية لا يمكن بحال من الأحوال أن تنفصل عن الإيمان والشريعة من حيث المصدر الذي يأخذ عنه الإنسان تشريعاته، ومن حيث التزام الإنسان أمرَ الله فيما يلبس والمحافظة على العفاف والحشمة والصيانة، وهذا يكون سداً بإذن الله -عز وجل- لأكبر أبواب الفواحش والموبقات، وحفظاً للمجتمع من الانحلال، فهل يعي ذلك المغالطون الذين يقولون: ما شأن الدين والأزياء وملابس النساء؟! وما شأن الدين وعالم التجميل للمرأة؟!
ونحن نقول بكل اعتزاز وفخر: لا يوجد في هذا العصر نظامٌ اجتماعي على وجه الأرض يحدد ويعيِّن عورات الرجال والنساء سوى هذا التشريع الإسلامي الكامل، وبهذا تكون هذه الشريعة هي النظام الوحيد الذي يحمل للبشر قيماً ومبادئ حيوية قويمة في هذا الباب تحول دون تفشي الفاحشة، وتصون الأعراض والأخلاق.
وبهذا نعلم سر اعتناء الإسلام بستر العورات واللباس مع كون التعري مفتاح الشر والفساد الذي إن تمكن في مجتمع من المجتمعات البشرية فإنه يأتي بنيانه من القواعد، فتنهار أركانه وتخور قواه، ويصبح من غير مضمون.
ثانياً: ما هي العوامل التي تؤثر في قضية اللباس وتطوره وشكله وهيئته؟
الأصل في قضية اللباس أن الإنسان لَبِسه لأنه يلائم فطرته، ولأن الله -عز وجل- ألهمه ذلك وأرشده إليه، كما عرفنا في خبر آدم وحواء -عليهما السلام- حينما كانا في الجنة وما حصل من الأكل من الشجرة وانكشاف السوءات والعورات بسبب ذلك.
ثم إذا نظرنا إلى حاجة الإنسان إلى هذا اللباس -وإن لم يكن له دين يدين به- نجد أن الحاجة الأساسية هي أن يواري هذا الجسد، فيستر جسده من حر الشمس ومن برد الهواء، وهذا الأمر من حيث هو يمكن أن يتحقق بأن يضع الإنسان على جسده قطعة من القماش فتحصل هذه المواراة، وهذا من حيث الدواعي الأساسية لموضوع اللباس كما قال الله -عز وجل-: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} [(81) سورة النحل].
لكن لا ننكر أن ثَمّة عوامل أخرى تؤثر في هيئة اللباس وصورته في المجتمعات البشرية، مما يضفي عليه صبغة خاصة تميز ذلك المجتمع عن غيره، وهذه المؤثرات كثيرة منها:
1- الظروف المناخية: فإذا كانت البلاد باردة فإن ذلك يؤثر في نوع اللباس من حيث السماكة، ومن حيث تغطية عامة الجسد لشدة الحاجة إلى ذلك.
2- ما تحمله الأمة من أخلاق وعقائد، ومبادئ وأفكار تؤثر فيما يلبسه أفرادها.
3- الذوق الفطري الذي يتفاوت الناس فيه، ومن ثم تتباين مقاييس الاختيار من مجتمع إلى آخر، وهذا شيء نشاهده في مجتمعات المسلمين وغيرهم، فالناس تختلف أذواقهم في اللباس مما يؤثر في ألوان اللباس التي يلبسونها وأشكالها، كما أن الذوق الفطري يؤثر في أساس الإنسان ومسكنه وما إلى ذلك من مقتنياته.
4- أسلوب المعيشة الذي يتفاوت من مجتمع إلى آخر، وهكذا الظروف الاقتصادية، فالغِنى يؤثر في نوع اللباس الذي يلبسه الناس من نفاسة وجودة، وهكذا يؤثر الفقر في ذلك, فالألبسة التي كان يلبسها الرجال أو النساء قبل خمسين سنة ليست كالألبسة التي نلبسها اليوم؛ وذلك أن ما يفتح الله -عز وجل- به من بركات وخيرات تؤثر في نوع ما يلبسون من حيث الجودة والنفاسة، وكذلك من حيث الشكل والجمال والحسن.
5- ما تمتلكه الأمة من رصيد حضاري يميزها عن غيرها من سائر الأمم، ويجعل لها زياً متلائماً مع معايير حضارتها.
6- التقاليد الشعبية أو ما يسمى بالموروثات القومية التي يتوارثها كل جيل عن الجيل الذي قبله، فهي تؤثر أيضاً في ألوان لباسهم.
7- المؤثرات الخارجية وذلك باحتكاك الشعوب والأمم بغيرها من الطوائف والشعوب والأمم الأخرى، فهذا يَقْوى ويَضعف تأثيره بحسب قوة هذه الأمة وتمكنها، واعتزازها بدينها وشخصيتها ومبادئها.
وبهذا نعلم أن قضية اللباس لا تعني بالنسبة للناس أنها مجرد قطعة من القماش يستر بها الإنسان سوءته، أو يحفظ بها جسده من المؤثرات الجوية؛ بل إنه يحمل جذوراً متأصلة في أعماق كل أمة، ويعبر عن حضارتها ومدنيتها وقيمها وأخلاقها وتقاليدها، وسائر شئونها الاجتماعية، فهو مظهر لتلك الروح التي تعمل عملها في جسد تلك الأمة، وهو لسانها الذي تنطق به خلفيتها الحضارية، ويُعرِّف الدنيا على شخصيتها الاجتماعية.
فالتحول الواقع الذي يحصل بسبب هذه المؤثرات مجتمعة أو متفرقة قد يكون محموداً وقد يكون مذموماً، فإذا كان التحول الذي يقع للأمة يُضفي عليها شيئاً من الأناقة والحسن والجمال فهذا أمر لا اعتراض عليه إذا كان في حدود ما حده الشرع بحيث يحفظ للناس الحشمة والعفاف والستر وصيانة الأعراض والعورات، وبحيث يبقى لهذه الأمة كيانها واستقلالها فتتميز عن غيرها من الأمم.
أما التحول الذي يكون مذموماً فهو الانصهار بكل أشكاله وصوره ومعانيه في الأمم الأخرى التي تختلف معنا في الدين والعقيدة والمبدأ والخلق، وتختلف معنا أيضاً في الخلفية الحضارية، فهذا التحول إذا وجد في مجتمع من المجتمعات فإنه ينذر بآثار وخيمة ونتائج عكسية تكون الأمة فيها منحدرة في دركات الانحطاط، ومرتمية في أحضان غيرها من الأمم فتذوب شخصيتها، وتستجدي اللباس من غيرها، وذلك أن الدين واللغة والزي من أهم الدعائم التي تتميز بها الأمة وتنفرد عن غيرها، فإذا انهار ذلك فإن ذلك يؤذن بانهيار الأمة واضمحلالها حتى تنقرض وتصبح تدريجياً أثراً بعد عين، وتنضم إلى قومية أمة أخرى.
ولذا نقول: إن الأمة التي تختار زي غيرها وطريقتها في المعيشة تكون بذلك معلنة لما تعانيه من مركب النقص، والشعور بالضحالة والإفلاس والذل؛ لأنها لا تستند إلى شيء تعتز به، ولأن أسلافها لم يتركوا لها شيئاً تحتفظ به وتعلن نسبتها إليه بكل فخر واعتزاز، فهي تنظر إلى ماضيها وحاضرها بعين النقص الذي يورثها الخجل، حتى إنها لا تملك شيئاً تستطيع أن تبدع به لنفسها زياً وأسلوباً يميزها في المعيشة، فيحملها ذلك على استمداد كل شيء من غيرها؛ لتبدو للعالم أنها متحضرة مهذبة، وهذا يكون بمثابة الإعلان بأن الحضارة والمدنية والتهذيب والجمال إنما هو في حياة تلك الأمم التي قلدتها فجعلت أنماط حياتها مقياساً لكل كمال ورقي، وهذا لا يقع إلا من أمة قد فقدت عزتها وكرامتها، ونخوتها وشهامتها، وهذا يقع تارة بسبب أن الأمة لا تملك رصيداً حضارياً، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فهو شيء معقول، أو أنه يقع بسبب الهزائم المتوالية التي منيت بها تلك الأمة في ميادين كثيرة، فأورثها ذلك شعوراً بالذل والنقص والقصور، فهي لا تستطيع أن تجاري غيرها، فتستجدي منهم كل شيء حتى الزي واللباس.
ونحن حينما نسمع أن هذه الأمور تقع لقوم من الوثنيين ليس لهم قيم ولا مبادئ، وليس لهم رصيد من الحضارة فهذا شيء متصور مُدرَك، فنحن نسمع أن هذه السراويلات -البنطال الذي يقال له: الجينـز- تباع في البلاد التي يصنع فيها أولاً وهي بلاد الغرب وعلى رأسها أمريكا بما يقابل سبعة عشر دولاراً ولا يزيد على ذلك.
وقد حدثني بعض من قدم من تلك البلاد أن ما يستعمل من هذه الألبسة وقد تحكك وتمزق يصدَّر إلى اليابان، ويباع هناك بأغلى الأثمان، فيباع ذلك البنطال الذي قد تمزق بما يقارب السبعين دولاراً؛ وكل ذلك لشدة إعجابهم بأولائك الأقوام الذين يستوردون منهم تالف اللباس.
وقد حدثني بعض الإخوان الذين عاشوا في تلك البلاد أن من أشهر الدعايات وأكثرها رواجاً بين اليابانيين ومن كان على شاكلتهم هي عمليات التجميل للأنف حتى إنهم صاروا يشعرون أن أنوفهم تمثل عقدة تحول بينهم وبين التشبه الكامل بأولائك الغربيين، فهم قد صبغوا شعورهم، ولبسوا العدسات الزرقاء، ولبسوا ثيابهم التالفة، وتكلموا بلغتهم، وما بقي عليهم إلا أن يغيروا من أجسادهم حتى يطابقوهم مطابقة تامة.
وحينما أسمع هذا الكلام لا أستغربه من أمة مفلسة ليس لها دين ولا قيم ولا حضارة، لكن حينما يقع ذلك بين أبناء العقيدة الإسلامية، وحينما يقع من قوم يملكون أكبر حضارة وأعظم قيم وأكمل شريعة، وهم أفضل الأمم وأعزها وأكرمها على الله -عز وجل-، حينما يقع منهم ذلك فهذا أمر لا شك أنه يبعث على الحيرة، ويجعل الإنسان لا يجد له جواباً إلا الشعور بالنقص وقلة الدين وضعف الإيمان، والله المستعان.
لقد أصبح كثير من أبناء المسلمين يتصورون أن التقدم والأخذ بأسباب القوة المادية يكون بلبس قبعة، وبتغيير لون العينين بلبس عدسات زرقاء، وكذلك بأن يلبس بنطالاً من الجينـز، ثم يلبس بلوزة أو فنيلة قد كتب عليها عبارات لربما لم يعرف قراءتها، ولم يفهم معناها، ثم بعد ذلك يسمع تلك الموسيقى الغربية، وهكذا وصل الانحدار والانحطاط عند كثير من أبناء المسلمين فظنوا أن التقدم والرقي والحضارة لا يكون إلا بذلك.
والواقع أن مَن وصل به الفهم إلى هذا المستوى المتدني فقد مُنِيَ بحماقة تُعْيِي من يداويها.
القضية الثالثة: وهي واقع اللباس عند كثير من نساء المسلمين اليوم:
حينما يتجول الإنسان في الأسواق التي تباع فيها الأزياء الخاصة بالنساء فلا يكاد يجد لباساً ساتراً ضافياً يمكن أن يوصف بأنه من اللباس المحتشم، بل إن عامة اللباس لباس لا يستر العورة؛ لأنه يشف عنها، أو يكشفها تماماً، أو لأنه يجسِّدها، وإذا سألت هؤلاء الباعة فإنهم سرعان ما يبتدرونك بالإجابة وهي: أن هذا هو الذي يطلبه الناس اليوم.
إنك لا تكاد تجد في هذه الأسواق إلا ألبسة لا تليق بالمرأة المسلمة، تجد فساتين طويلة لكنها من غير أكمام، أو تجد أشياء أخرى مفتوحة عند الظهر، أو من جهة البطن والظهر، وهذه فساتين أخرى طويلة لكنها في غاية الضيق، وتجسد مواضع العورة بالنسبة للمرأة، حتى إن المرأة لا تستطيع المشي فيها إلا بصعوبة، وتلك أزياء طويلة لكنها مفتوحة من الجانبين، وتلك أزياء أخرى إلى الركبة، وأخرى إلى منتصف الفخذين، ولربما كانت مفتوحة أيضاً من الخلف، وتلك طويلة لكنها مفتوحة عند البطن مع الظهر، وتلك شفافة تظهر الصدر والظهر واليدين، وتلك لها كُمٌّ واحد فقط، وتلك لها خيوط رفيعة تحملها وقد تعرت المناكب وما تحتها، وتلك قصيرة من غير أكمام؛ وإنما عليها قطعة شفافة من القماش يقولون لها: الشال.
وذلك لباس قد استورد من عُبَّاد البقر والفئران من أمم الوثنية وهم من أحط الأمم على وجه الأرض من ناحية الاعتقاد، وذلك اللباس هو الذي يسمونه بالزي الهندي وهو عبارة عن قطعة من القماش تلفها المرأة لفاً على جسدها، ثم يتكشف ما بين ذلك.
وتلك تنورة قصيرة إلى أعلى الركبتين يقولون لها: (الميني جوب)، وتلك أخرى من الملابس يقال لها:   (التي شيرت)، وهو قميص مغلق الجوانب يكتب عليه بعض العبارات السيئة، أو يكون محتوياً على بعض الصور للساقطين والساقطات، وتلك البلايز أو الفنايل التي تغطي فقط نصف البطن، وذلك اللباس أيضاً الذي يقال له: (البدي) وهو بدلة ليس لها أكمام.
وأما البناطيل فعالم آخر: بناطيل جلدية لامعة تَعْلق بالجسد لشدة ضيقها، وهناك أيضاً بناطيل من الجينـز، وهناك بناطيل أخرى لا تلبسها إمرأة تعرف الحياء والحشمة؛ إنما تلبسها المرأة المترجلة، والمرأة المتشبهة بأعداء الله -عز وجل.
وتجد أيضاً تنانير يقال لها: (الإسترتش) وهي نوع من القماش المطاط الذي يتمدد حسب حجم الجسم، ويلتصق به التصاقاً شديداً، وتلك تنورة يقال لها: (تنورة اللف) تُزرّ من أحد جانبيها ثم بعد ذلك هي ملفوفة من غير خياطة، فإذا تحركت المرأة أدنى حركة تبدّى ما بين ذلك.
وتلك أزياء تلبسها المرأة في ليلة زفافها ومنها لباس أبيض، وتضع شيئاً على رأسها يقال له: الطرحة، ولربما حملت بعض الزهور، وتفعل ذلك من غير فقه ولا وعي، وهو شيء يفعله النصارى في زيجاتهم وأعراسهم، ويفعله نساء المسلمين اليوم من غير إدراك لمعناه، ويقام له المهرجانات وعروض الأزياء في شرق الأرض وغربها، وإذا سألت المرأة التي تفعل ذلك: لماذا تفعلينه؟ قالت: هكذا الناس يلبسون.
وقد عمت هذه الألبسة وانتشرت وتسابق كثير من النساء إليها، وصار كثير من النساء يستعرضن بها في شتى المناسبات.
هذه امرأة وصفت حال كثير من النساء في مناسبة من مناسبات الزواج، وقد نُشر ذلك في بعض الصحف؛ تقول في بعض كلامها: مرت أمامي وأصابني الهلع؛ حيث كان نصفها الأسفل الممتد من أعلى الركبة إلى الكعبين واضحاً تماماً تحت الغلالة الشفافة المموجة بلمعان أخَّاذ، أما النصف العلوي فقد حطم بظهوره كل ساتر، استدارة الهرمين المكتنـزين وما بينهما من حدود اتضحت، والكتفان العاريان والذراع الكامل الدسم، والجِّيد المترع المنتهي بطوق ملفوف على الرقبة بشدة حتى انتفخ أعلى وأسفل العنق.
وأخرى اختارت الكشف عن منطقة الوسط، حيث تضع الترتر البراق على منطقة السرة، وتترك للتهوية الجوانب المجاورة لهذه المنطقة، ومن البديهي صار خلع الأكمام، ومن البديهي أكثر خلع الأزرار، ومن البديهي أكثر وأكثر لبس القصير جداً والضيق جداً، والمثقوب من كل الجهات جداً جـداً!!
وهذه ثالثة عبارة عن هيكل عظمي متحرك، فخورة بامتدادها الفارع كعود القصب بلا زوائد وبلا أدنى تكلفة في شراء القماش اللماع، حيث اكتفت بمتر واحد حل محل ورقة التوت في ثلاث مناطق فقط لا أكثر، وكل الباقي للفرجة ولمن يريد أن ينهش في العظام البارزة.
والرابعة لا أعرف ما الذي اختارت أن تغطيه، وهذا سهل الإحصاء أكثر من الآخر المكشوف، وما يثير الدهشة أن العاري أولى بالستر؛ لكن الثقة الزائدة عند بعضهن تلفت النظر حين لا يترددن في تعرية الأجزاء المكرمشة، والأخرى المقرحة بالدمامل، وغيرها الكالحة اللون كبقعة بارزة في غسيل قذر.
وهذه جميلة لكنه الجمال الفاسد الذي أفسده الابتذال حتى انقلب إلى الضد، فأي جمال يمكن أن يحس في لوحة مغشوشة؟!.
رابعاً: سبب هذا البلاء الذي انتشر في أوساط النساء:
هذا البلاء له أسبابه الكثيرة، ولم يأت طفرة بين عشية وضحاها، ومن أهم أسبابه:
1- تفريط من ولاه الله -عز وجل- أمر هؤلاء النساء، فأنت أيها الولي حينما تفرط، وحينما تقل الغيرة عندك وعند غيرك من الرجال فيسمح الرجل لمُوَلِّيته أن تذهب بهذه الألبسة وتخرج بها فإن ذلك أمر يعد من الإخلال بالواجب، ومن التضييع للرعية الذين استرعاك الله -عز وجل- إياهم، فضعف التربية لدى الرجل، وكثرة مشاهدة الرجال للعري بألوانه في الأفلام، وعلى أغلفة المجلات وداخلها، وهكذا ما تصوره كثير من تلك الأفلام بأن الرجل الغيور هو إنسان متخلف، وكذلك ضعف قوامة الرجال في البيوت بحيث صارت النساء في كثير من الأحيان يدبرن أمورهن ويلبسن ما شئن، ويذهبن حيث شئن، وهكذا حينما ينشغل الرجل بأموره الخاصة ويُعرض عن هؤلاء البنات والزوجات، ولا يدري ماذا يلبسون، وإلى أين يتوجهون، كل ذلك من أسباب انتشار هذا الفساد العريض.
2- ضعف الإيمان، وضعف الوازع الديني لدى بعض النساء، ولذلك تجد كثيراً من هؤلاء النساء ليس لديها أصلاً الرغبة في معرفة الحكم الشرعي، وإنما هي تريد أن تلبس ما شاءت، ولا ترفع رأساً لهذه الأمور، وإذا حُدِّثت عنها أو نوقشت فيها فهي تجيب بإجابات باردة.
فمثلاً أُجري حوار في بعض المجلات مع بعض النساء اللاتي يلبسن البنطال، فقيل لإحداهن: لماذا ترتدين البنطال؟ فقالت: لأنه الموضة، قيل لها: هل تعلمين أنه حرام؟ فماذا أجابت؟ قالت: قولي والله! تقول ذلك على سبيل السخرية.
وأخرى سُئلت هذا السؤال فقالت للسائلة: لا تقولي حرام! فقالت لها: بل هو حرام، فقالت: من قال؟! فقالت: أفتى بذلك فضيلة الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين -رحمه الله-، فقالت: الحمد لله أنه ليس ابن باز! تقول ذلك ساخرة، فقالت لها من تحدثها: بل قاله الشيخ ابن باز -رحمه الله- في كتاب لا يحضرني، فقالت: أريحي نفسك لن أقتنع.
وأخرى وُجه إليها هذا السؤال فقالت: السوق كله هكذا، فقيل لها: بل يوجد أشياء أخرى، فقالت: لكن هذا هو الغالب، فقيل لها: أما تعلمين أنه حرام؟ فقالت: علمت، فقيل لها: وماذا عملت؟ فقالت: أوه يا لطيف كل شيء عندكم حرام!.
وأخرى وُجه إليها هذا السؤال فقالت: هذا مريح جداً، والحركة فيه مريحة، ولربما قالت بعضهن: إنه أستر،
فقيل لها: هل هذه الملابس الأخرى عبارة عن سلاسل وقيود؟ فقالت سريعاً على وجه المغاضبة: ماذا تريدين بالضبط؟! فقيل لها: علمت أنه حرام؟ قالت: حرام عليكم إذن! إلى آخر ما في هذا الحوار الذي يبين حال كثير من النساء من عدم الجدية في معرفة الحكم الشرعي.
3- القنوات الفضائية والمجلات الهابطة التي يتربى عليها كثير من النساء عبر الأيام والليالي، فإذا أدمنت المرأة النظر فإن ذلك ينطبع في نفسها ولا تجد فيه غضاضة، بل تجد المرأة التي تظهر على صورة بطلة في تمثيلية أو فيلم تلبس هذه الألبسة، وهكذا تلك المرأة المرموقة أو المذيعة المشهورة أو غير ذلك تلبس هذه الألبسة، وكثير من الناس كأسراب القطا جُبلوا على تشبه بعضهم ببعض.
وهكذا دور الأزياء وما يجري في داخلها من العبث؛ حيث تصمم ما شاءت، وتفصل ما شاءت، وتقترح على النساء الموضات وألوان الألبسة، فهذه الدور تفتك فتكاً ذريعاً في كثير من الأحيان في هذه القضايا.
4- ومن أسباب ذلك: الإلغاء التام للتفكير والعقل الذي أكرمنا الله -عز وجل- به، فكثير من الناس لا يفكر بعقله وإنما يفكر بعقول الآخرين، فإلى أي شيء يتجه الناس في هذه الأيام فهو يفعل فعلهم، ماذا يلبسون؟ ماذا يعجبهم؟ ما الذي يناسبهم؟ الموضة هذه الأيام كذا، الناس هذه الأيام يحبون كذا، فيلبس ذلك ولو كان ذلك قبيحاً، وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ألوان من هذه الألبسة الممجوجة في الأذواق السليمة كيف يلبسها النساء ويتباهين بذلك وهي في غاية القبح؟، بل انظر إلى تلك القصات التي يقصها بعض الشباب، حيث يحلق نصف الرأس ويبقي النصف الآخر؛ لأنه رأى ذلك اللاعب المشهور في كأس العالم الذي قد سجل رقماً كبيراً من الأهداف قد حلق شعره ولم يُبقِ إلا ناصيته، فقام هذا الشاب المسكين فحلق شعره وفعل فعله من غير تفكير ولا تروٍّ.
وهكذا كثير من الناس يقعون فيما لا يليق في أمور اللباس وفي غيرها من الأمور، وكل ذلك بسبب التفكير بعقول الآخرين، ومن ذلك أيضاً حرص النساء على الموضة والرغبة في شراء كل جديد.
5- ومن ذلك أيضاً الأسفار: حيث ترى المرأةُ ويرى وليها تلك النساء الكاسيات العاريات في المطارات، وفي الشوارع والفنادق والأسواق في بلاد لا يعرفون الحياء ولا الدين، ولا يعرفون الخلق ولا الأعراض، ولا الحشمة ولا العفاف.
6- ومن الأسباب أن هذه الألبسة لربما كانت سائدة في الأسواق.
7- ومن الأسباب أيضاً القدوة السيئة: حيث إن بعض النساء ربما يُقتدى بها لتدينها، وربما لبست شيئاً من ذلك فيحتج كثير من النساء بها، ويقلن: فلانة تلبس ذلك.
8- ومن ذلك انعكاس المفاهيم وانقلاب المقاييس: حيث يظن كثير من الناس أن التقدم والتمدن والرقي والحضارة لا يكون إلا بتعرية الأجساد.
9- وكذلك أيضاً ما لدعاة التبرج عبر الوسائل المختلفة من جهود جبارة كبيرة في تعرية نساء المسلمين، والسعي لإضلالهن وتعريتهن من كل خلق ودين، وعفاف وحياء.
القضية الخامسة: شبهة حدود عورة المرأة:
من الأسباب التي أدت إلى انتشار الفساد في لباس المرأة تلك الشبهة التي ترددت بين أوساط النساء في هذا الزمان، وهي الفهم الخاطئ لدى كثير من النساء لما يسمعنه من بعض الفتاوى، أو ربما قرأنه في بعض الكتب من أن عورة المرأة من السرة إلى الركبة، وبيان هذه القضية أن يقال:
العورة تطلق على كل مكمن للستر، فكل شيء يستره الإنسان أنفةً وحياء فهو عورة، وكل شيء يُستحيا منه إذا ظهر فهو عورة، وهي بهذا الاعتبار كل ما حرم الله -عز وجل- كشفه أمام من لا يحل له النظر إليه، فيقال لذلك: عورة؛ لما في إظهاره أمام الغير من القبح والإخلال بالصفة الإنسانية الكريمة والآداب العامة، أو لما يسبب كشفه من إخلال بالأخلاق، وذيوع للمفاسد العظيمة التي تفسد المجتمع.
كما يقال لها: سوءة أيضاً؛ لأن إبداءَها أمر يسوء صاحبها، وهو شيء سيئ قبيح وفعل غير مستحسن، فالسوءة إذن: ما يجب ستره، ويُستحيا من إبدائه كما قال الله -عز وجل-: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا} [(26) سورة الأعراف]، وكما قال: {فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [(121) سورة طـه].
فكل ما وجب ستره لما في إبدائه من الفتنة فهو عورة كما قال الله -عز وجل-: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءَ} [(31) سورة النــور]، ولربما سميت عورة نظراً لما يلحق كاشفها من العار والمذمة، ولذا قيل للمرأة: عورة.
إطلاقات العورة:
العورة تطلق بإطلاقات ثلاثة هي: أن العورة في الصلاة هي ما يجب ستره فيها.
ومن إطلاقاتها أنها تطلق بمعنى العورة في حق النظر سواء كان الناظر أجنبياً أو محرماً، أو من النساء، فهي ما يحرم إظهاره، كما يحرم النظر إليه، فعورة المرأة أمام الرجال الأجانب المرأة جميعها، وهذا يختلف عن العورة في الصلاة، والعورة أمام المحارم والعورة أمام النساء سيأتي الكلام عليهما.
الإطلاق الثالث للعورة: هو أنها تطلق على كل شيء يستره الإنسان أنفةً وحياء.
عورة المرأة أمام المحارم:
المرأة أمام محارمها من أب وأخ وعم وخال ونحوهم كلها عورة سوى ما يظهر عادة في بيتها في مهنتها وذلك كالكفين والقدمين والوجه والشعر وموضع القلادة من النحر، وموضع السوار من الذراع، وموضع القرط من الأذن، وما أشبه ذلك من مواضع الزينة التي تظهر عادة، دون ما يُستر عادة كالفخذ والبطن، والظهر والصدر وما إلى ذلك، وهذا قال به كثير من أهل العلم، وهو قولٌ من الحنفية وهو وجه في مذهب الشافعية، ورجح بعضهم أنه الصحيح من مذهب الحنابلة، وبه قال الإمام مالك -رحمه الله- فقد صرح بأنه لا ينظر من محارمه إلى معصم ولا ساق ولا جسد.
وكره الإمام أحمد أن ينظر الرجل إلى الساق والصدر من امرأة أبيه وأمه وأخته، وبمثل ذلك قال ابن قدامة صاحب المغني-رحمه الله- وكان من كلامه: وليس له النظر إلى ما يستتر غالباً كالصدر والظهر ونحوهما([2])، وممن قال بهذا غير هؤلاء كثير.
وهناك كثير من النصوص التي استدل بها العلماء، ومن أوضح الأدلة الدالة على هذا القول هو قول الله -عز وجل-: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ} [(31) سورة النــور]: ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الله -عز وجل- استثنى هؤلاء في النظر إلى الزينة وهي نوعان: زينة ظاهرة وهي الثياب، وباطنة: وهي هذه المواضع من الجسد التي تظهر عادة، كما قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "الزينة زينتان فالظاهرة منها: الثياب، وما خفي: الخلخالان والقرطان والسواران"([3]) وما إلى ذلك.
ومعلوم أن الناس في بيوتهم يختلطون ويدخل هؤلاء المحارم في أوقات مختلفة فيصعب التحرز من ذلك، ولهذا كان من يسر هذه الشريعة ومن رحمة الله -عز وجل- أنه رخص للمرأة المسلمة أن تبدي هذه المواضع لمحارمها، ولم يشدد عليها في ذلك.
بل إن بعض العلماء قال أكثر من هذا -وأذكره على سبيل المبالغة- حيث قال بعضهم: لا يرون منها إلا الوجه والكفين دون سائر الجسد، وهذا قال به أئمة كبار من السلف، وهو قول لبعض الأئمة، بل منع بعض السلف أن تبدي المرأة شعرها لولدها، بل إن بعضهم قال: لا يبدو منها إلا الوجه والكفان.
وعلى كل حال الأقرب أنه يبدو منها ما يظهر عادة في بيتها وهو ما ذكرت آنفاً.
عورة المرأة أمام المرأة:
عورة المرأة أمام المرأة الراجح أنها كعورتها أمام المحارم، فيجب عليها أن تلبس أمام النساء وأمام المحارم لباساً تنطبق عليه شروط اللباس الشرعي، وذلك أن يكون ساتراً بأن يغطي المواضع التي يجب تغطيتها، ولا يظهر إلا ما يظهر عادة، فهذا اللباس يجب أن لا يشف، وضابط ذلك أن لا يظهر من تحته لون الجسد، وكذلك يجب أن لا يصف بأن يكون ضيقاً يصف حجم أعضاء المرأة، وكذلك يجب أن يكون هذا اللباس من لباس النساء فلا يكون من لبس الرجال، وكذلك لا تتشبه بالكافرات، وغير ذلك من الشروط المعروفة.
وقد جاء المنذر بن الزبير من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر -رضي الله تعالى عنها- بعدما كُف بصرها بكسوة من ثياب من مرو -وهي ثياب رقيقة- فلمستها بيدها فقالت: أف، ردوا عليه كسوته، فشق ذلك عليه، وقال: يا أمّه إنه لا يشف، قالت: إن لم يشف فهو يصف.
وكذلك ما جاء عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: "كساني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبطية كثيفة كانت مما أهداها دحية الكلبي فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما لك لم تلبس القبطية؟))، قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مرها فلتجعل تحتها غلالة؛ إني أخاف أن تصف حجم عظامها))([4]).
فعلى كل حال يجب أن تتوفر هذه الأمور في اللباس من أجل أن يكون مباحاً، وهذه هي عورة المرأة أمام النساء، وهذا قال به جمع كثير من العلماء أيضاً.
والدليل عليه أن الله -عز وجل- قال: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [(31) سورة النــور]، فذكر النساء في هذا السياق مع غيرهن من محارم المرأة، فجمعت هذه الآية بين المحارم وبين النساء، فدل ذلك على أن الحكم واحد، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز أن نفرق بين عورة المرأة أمام النساء وبين عورتها أمام محارمها؛ لأن الله -عز وجل- ساق ذلك في سياق واحد، ومن ثم استوت العورة عندئذٍ في حال كون المرأة عند محارمها وفي حال كونها عند النساء.
ومواضع الزينة التي أشار الله -عز وجل- إليها في هذه الآية: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} المراد بها: مواضع الزينة من جسدها.
وقد أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه من حديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: ((لا إله إلا الله ماذا أُنزل الليلة من الفتنة؟، ماذا أنزل من الخزائن؟ من يوقظ صواحب الحجرات؟ كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة!))"، ثم قال البخاري      -رحمه الله-: "قال الزهري: وكانت هند لها أزرار في كُميها بين أصابعها"([5]).
قال الحافظ: "والمعنى أنها كانت تخشى أن يبدو من جسدها شيء بسبب سعة كُميها، فكانت تزرر ذلك؛ لئلا يبدو منه شيء فتدخل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كاسية عارية"([6]).
وقد نص كثير من العلماء على ما ذكر، ومن ذلك هذه الع

أسامة
المراقب العام
المراقب العام

عدد المساهمات : 25
نقاط : 24949
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 11/02/2017

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: كفى عبثا باللباس

مُساهمة من طرف أسامة في السبت فبراير 11, 2017 9:45 am

بارة لعالم واحد هو الشيخ العثيمين -رحمه الله- حيث يقول ضمن كلام له في هذه القضية: "وقد ذكر شيخ الإسلام أن لباس النساء في بيوتهن على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما بين كعب القدم وكف اليد، كل هذا مستور وهن في البيوت، أما إذا خرجن إلى السوق فقد عُلِمَ أن نساء الصحابة كن يلبسن ثياباً ضافيات يسحبنها على الأرض، ورخَّص لهن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرخينه إلى ذراع ولا يزدن على ذلك، وأما ما اشتبه على بعض النساء من قول النبي    -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة))([7])، وأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة من أنه يدل على تقصير المرأة لباسها فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل: "لباس المرأة ما بين السرة والركبة" حتى يكون في ذلك حجة، ولكنه قال: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة))، فنهى الناظرة؛ لأن اللابسة عليها لباسٌ ضافٍ؛ لكن أحياناً تكشف عورتها لقضاء الحاجة أو غيره من الأسباب، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة.
ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل))، فهل كان الصحابة يلبسون أُزُرَاً من السرة إلى الركبة؟ أو سراويل من السرة إلى الركبة؟ وهل يعقل الآن أن امرأة تخرج إلى النساء ليس عليها من اللباس إلا ما يستر ما بين السرة إلى الركبة؟! هذا لا يقوله أحد، ولم يكن هذا إلا عند نساء الكفار، فهذا الذي فهمه النساء من الحديث لا صحة له... إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: "والخلاصة أن اللباس شيء، والنظر إلى العورة شيء آخر، أما اللباس فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كف اليد إلى كف الرِّجْلِ، هذا هو المشروع، ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها لشغل أو نحوه فلها أن تشمر إلى الركبة، وكذلك لو احتاجت أن تشمر الذراع إلى العضد؛ فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط".
وقال في موضع آخر: "فالضيّق الذي يبين مفاتن المرأة لا يجوز لا عند المحارم ولا عند النساء"، وهذا كلام واضح، بل إن بعض العلماء نص على أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تخرج أمام الفاجرة من نساء المسلمين إلا كما تخرج أمام الرجل الأجنبي، قالوا: لأنها لا تُؤمَن عليها، فلا تضع جلبابها ولا خمارها عندها، وقد صرح بذلك العز بن عبد السلام، وقال به طائفة من الفقهاء قديماً وحديثاً، بل إن أكثر العلماء يقولون: إن المرأة الكافرة لا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر لها إلا كما تظهر أمام الرجال الأجانب، ونص الإمام أحمد على أن المرأة المسلمة لا يجوز للكافرة أن تنظر منها إلى شيء، وإنما هي بمثابة الرجل الأجنبي لها، وقد نص على ذلك الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية، وصححه من مذهبهم البغوي والنووي وهو رواية عند الحنابلة، وبه قال ابن عباس وعمر بن الخطاب وقال به مكحول، وسئل الإمام أحمد عن المسلمة تكشف رأسها عند نساء أهل الذمة؟ قال: لا يحل لها أن تكشف رأسها؛ لأن الله يقول: {أَوْ نِسَائِهِنَّ}، وذلك أن هذه الآية خصت النساء بهذا الاختصاص فقالت: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} فدل ذلك على أن المراد نوع من النساء خاص وليس المراد عامة النساء، أي: النساء المسلمات.
وقد صرح بذلك أيضاً الإمام النووي -رحمه الله- ورجحه، واستدلوا على ذلك بهذه الآية، وهو اختيار الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وابن عطية في تفسيره، ورجحه القرطبي أيضاً في كتابه التفسير، فهذا كله يدل على مدى ما وقع من التساهل والتفريط الذي وقع به كثير من نساء المسلمين اليوم، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- توسط في هذه المسألة فرأى بجواز أن ترى المشركة من المرأة المسلمة الوجه والكفين، حيث قال: "وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة، ويكون الظهور والبطون بحسب ما يجوز لها إظهاره، ولهذا كان أقاربها تبدى لهن الباطنة"([8]).
إن هذه الألبسة التي يلبسها كثير من نسائنا اليوم من البنطال والألبسة الضيقة جداً والألبسة العارية التي يلبسها نساؤنا في كثير من المناسبات هي ألبسة محرمة، والأدلة على ذلك كثيرة، ومنها عموم الأدلة الدالة على أن النساء عورات يجب سترهن، ومن ذلك ما أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان من حديث    عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((المرأة عورة))([9])، فدل ذلك على أن الأصل في المرأة أنها عورة، فلا يستثنى إلا ما دل الدليل عليه، وقد دل عمل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- على أن المرأة تُظهر للمرأة ما يظهر منها غالباً كالوجه والقدمين واليدين والشعر ونحو ذلك، أما ما عدا ذلك فإن الأصل فيه الستر، ويُمنع كشفه وإظهاره.
ومما يدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا))([10])، فمن لبست هذه الألبسة صدق عليها أنها كاسية عارية.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحدد أنها تلبس هذه الألبسة أمام النساء، أو أنها تلبس ذلك أمام المحارم، أو أنها تلبس ذلك أمام الرجال الأجانب، والأصل بقاء العام على عمومه إلا لمخصص، والأصل بقاء المطلق على إطلاقه إلا لدليل يدل على تقييده.
وقد ذكر أبو هريرة -رضي الله عنه- رقة الثياب للنساء فقال: "الكاسيات العاريات الناعمات الشقيات"([11]).
وقال عمر -رضي الله عنه-: ما يمنع المرأة المسلمة إذا كانت لها حاجة أن تخرج في أطمارها أو أطمار جارتها، مستخفية لا يعلم بها أحد حتى ترجع إلى بيتها"([12]).
ومن الأدلة الدالة على تحريم هذه الألبسة أن عامتها من ثياب الكفار ومن أزيائهم، فإذا لبستها المرأة تكون قد تشبهت بالكافرات، والتشبه بالكفار فيما كان من خصائصهم الدينية أو ما كان من خصائصهم العادية لا يشترط فيه قصد الفاعل، وإنما تكفي فيه الموافقة في الظاهر فقط كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية    -رحمه الله- في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم.
وقد أخرج الإمام مسلم -رحمه الله- من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له عندما رأى عليه ثياباً من ثياب الكفار: ((إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها))([13]).
وأخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- أنه أرسل إلى المسلمين: "إياكم والتنعم وزيَّ أهل الشرك ولبوس الحرير" ([14]).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: ((من تشبه بقوم فهو منهم))([15]).
ومن الأدلة على ذلك أيضاً: أن كثيراً من هذه الأزياء -لاسيما البنطال- فيها تشبه بالرجال، وقد ورد الوعيد الشديد على من فعل ذلك كما أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"([16]).
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل"([17]).
وأخرج أبو داود من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرَّجلة من النساء"([18]).
كما أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه رأى امرأة متقلدة قوساً، وهي تمشي مشية الرجل، فقال: "من هذه؟"، فقيل: هذه فلانة، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال))([19]).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ليس مقصود الشارع مجرد حجب النساء وسترهن دون الفرق بينهن وبين الرجال، بل الفرق أيضاً مقصود حتى لو قُدر أن الصنفين اشتركوا فيما يستر ويحجب بحيث يشتبه لباس الصنفين لنهوا عن ذلك... إلى أن قال: ولهذا جاءت صيغة النهي بلفظ التشبه بقوله: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء" ([20]).
ومن الأدلة على تحريم ذلك: أن هذه الأزياء مخالفة لهدي نساء المسلمين، فإن الأصل في نساء المسلمين الستر والصيانة والحشمة، وهذه الألبسة فيها ما فيها من منافاة للحياء والحشمة، فهي ألبسة فاضحة لا يرضى بها المؤمن الذي يغار على نسائه، وبهذا تكون ممنوعة.
وقد دخل نسوة من بني تميم على عائشة -رضي الله عنها- وعليهن ثياب رقاق فقالت: "إنْ كنتنّ مؤمنات فهذا ليس بلباس المؤمنات، وإن كنتن غير مؤمنات فتمتعن به"([21]).
وأُدخلت امرأة عروس على عائشة -رضي الله عنها- وعليها خمار قبطي معصفر فلما رأتها قالت: "لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبس هذا"([22]).
كيف لو رأت عائشة -رضي الله تعالى عنها- هذه الخلاعة التي يفعلها كثير من النساء في صالات الأفراح هذه الأيام؟!.
ومن الأدلة على تحريم ذلك: أن لبس المرأة مثل هذه الأثواب والأزياء الفاضحة فيه خرم للمروءة وإفساد للفطرة ونزع للحياء، والحياء تاج للمرأة، فإذا ذهب الحياء فعلى العفاف السلام.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))([23]).
وقال -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن عمر المخرج في الصحيحين: ((الحياء من الإيمان))([24])، وجاء أيضاً من حديث يعلى بن أمية كما أخرج أبو داود والنسائي: ((إن الله حيي ستّير يحب الحياء والستر))([25]).
ومما يدل على أنه لا يجوز أن تلبس المرأة هذه الأزياء أيضاً أن لبسها لها يؤدي بها إلى التبذل، وترك الحجاب بكامله، وهذا شيء مشاهد، فالنساء اللاتي اعتدن على التزين بهذه الأزياء هن من أكثر النساء تساهلاً بالحجاب، وتبذلاً عند خروجهن، فإلى الله المشتكى.
العلاج لهذه الظواهر:
1- من العلاج: أن يقوم أولياء أمور النساء بما أمر الله -عز وجل- به، فيمنعوا نساءهم من هذه الألبسة، فلا يجوز لك أن تَلبس محارمُك شيئاً من اللباس إلا تحت إشرافك واطلاعك، وهذه قضية يطول الحديث فيها، ولكن يكفي فيها هذه الإشارة والتنبيه.
2- ومن ذلك أيضاً: أنه يجب على من بسط الله -عز وجل- يده أن يقوم على دور الأزياء والمشاغل فيجعل هناك رقابة على هذه الدور وما تفصل للنساء، وما تعرض عليهن في تلك الكتالوجات التي تستورد تلك الألبسة من قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ثم تلبسها نساؤنا بعد ذلك، فهذا مسخ لهوية المجتمع والشعب فكيف نرضى بذلك مع أنه مسخ للدين؟!.
3- ومن ذلك أيضاً: التربية الإيمانية، وغرس الحياء في الجيل منذ الصغر، فالبنت يجب أن تلبس الألبسة المحتشمة الساترة منذ نعومة أظافرها، فلا نلبسها القصير ونقول: هي صغيرة، ولا نلبسها ما يسمى عند الحضر "الألبسة العارية" ونقول: هذه صغيرة، فإنها تنشأ على ذلك:
ويَنشأ ناشِئُ الفتيانِ فينا *** على ما كان عوَّده أبوه
فعوِّدوا البنات على الحشمة والستر منذ الصغر لينشأن على ذلك، وهكذا نربي الذكور من الأبناء أيضاً على الغيرة منذ الصغر، فإذا رأى أخته قد لبست لباساً لا يليق نصحها وتكلم معها ونهرها لكي لا تخرج به، وأن هذا لبس لا يحسن ولا يجمل ولا يليق أن تلبسه المرأة المؤمنة، أما أن نربي الأولاد على ضعف الغيرة وعلى الخنوع؛ فيرى أخته منذ أن نشأ؛ ويرى أمه تخرج بهذه الألبسة، فكيف ينكر بعد ذلك على زوجته وعلى بناته؟، وماذا ننتظر منه بعد ذلك؟
4- ومن ذلك أيضاً: أن نغرس ونقرر في النفوس أن قضية الستر والحجاب والحشمة هي دين وفطرة، وليست قضية مأخوذة من التقاليد والعادات تتغير بحسب الوقت والزمان والمكان، ثم إذا خرجت نساؤنا بعد ذلك خرجن بصورة تبعث على الخجل والحرج عند كل غيور، فتلقي جلبابها وتخرج مبدية لمفاتنها؛ وكأنها ليست امرأة تدين بدين يحرم عليها ذلك.
5- ومن ذلك أيضاً: أن نكثف التوعية والبرامج التي توجَّه إلى المرأة، فما المانع أن يوجد يوم كامل للمرأة في أيام السنة، أو في الأجازة الصيفية، أو يوجد أسبوع خاص لتوعية المرأة؟
وما المانع أن نقوم بجولات مكثفة في الأسواق وصالات الأفراح؛ فيُعطَى هؤلاء النساء الفتاوى التي أصدرها علماؤنا في حكم هذه الألبسة، وتُبيّن أن ذلك أمر لا يجوز.
6- وكذلك تفقيه النساء عبر الدروس والمحاضرات والإذاعة وما أشبه ذلك ببيان هذه القضايا، فلا تُترك النساء بين جهل وبين هوى، فإن ذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة.
وبين يديَّ أكثر من عشرين فتوى لعدد من العلماء في تحريم هذه الألبسة، ومن ذلك بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية يصرح بتحريم هذه الملابس على النساء.
وقد تعمدت في هذا الدرس أن أصرح بأسماء كثير من العلماء، وأن أذكر فيه أدلة؛ مع أن مثل هذه المناسبات قد لا يحسن فيها ذلك؛ لأنها تخاطب العامة والخاصة، لكني أعرف أن كثيراً من النساء تردد وتحتج أن المسألة خلافية، أو أن عورة المرأة أمام النساء من السرة إلى الركبة، فأردت أن أضع صورة المسألة أمام الجميع، وأبين الحكم فيها بما لا يدع مجالاً لهؤلاء المجادلين من النساء هداهن الله -عز وجل.
أسأل الله -عز وجل- أن يلهمنا وإياكم رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يرزقنا وإياكم الهدى والتقى، والعفاف والغنى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


[1] - انظر: تفسير ابن كثير (ج 2 / ص 277).
[2]  - انظر كتاب: المغني لابن قدامة (ج 7 / ص 454) والشرح الكبير له (ج 7 /ص 343)].
[3]  - تفسير الطبري (ج 9 / ص 302)، وابن كثير (ج 3 / ص 378)، ومصنف ابن أبي شيبة (17017) (ج 3 /ص 547).
[4]  - أخرجه أحمد (21834) (ج 5 / ص 205)، والطبراني (376) (ج 1 / ص 160)، وحسنه الألباني في كتابه: الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (ج 1 / ص 318).
[5] - أخرجه البخاري في كتاب: اللباس – باب: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتجوز من اللباس والبُسط (5506) (ج 5/ص 2198).
[6]  - انظر: فتح الباري (ج 10 / ص 303).
[7]  - أخرجه مسلم في كتاب: الحيض – باب: تحريم النظر إلى العورات (338) (ج 1 / ص 266).
[8] - انظر: مجموع الفتاوى (ج 22 / ص 112).
[9] - أخرجه الترمذي في كتاب الرضاع (18) (1173) (ج  3 / ص 476)، وابن حبان (5599) (ج 12 / ص 413)، وابن خزيمة (1686) (ج 3 / ص 93)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6690).
[10] - أخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة – باب: النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات (2128) (ج 3 / ص 1680).
[11] - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج 14 / ص 215).
[12] - المصدر السابق.
[13] - أخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة – باب: النهي عن لبس الرجل الثوب المعصفر (2077) (ج 3 / ص 1647).
[14] - أخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة – باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العَلَم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع (2069) (ج 3 / ص 1641).
[15] - أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس – باب:  في لبس الشهرة (4031) (ج 2 / ص 441)، والطبراني في الأوسط (8327) (ج 8 / ص 179)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6149 ).
[16] - أخرجه البخاري في كتاب: اللباس – باب: المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال (5546) (ج 5 / ص 2207).
[17]  - أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس - باب: لباس النساء (4098) (ج 2 / ص 458)، وابن حبان (5751) (ج 13 / ص 62)، والحاكم (7415) (ج 4 / ص 215)، والطبراني في الأوسط (984) (ج 1 / ص 296)، وصححه الألباني (5095).
[18]  - أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس - باب: لباس النساء (4099) (ج 2 / ص 458)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5096).
[19]  - أخرجه أحمد (6875) (ج 2 / ص 199)، والطبراني في الأوسط (7380) (ج 7 /ص 238)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5433).
[20]  - مجموع الفتاوى (ج 22 / ص 153)، والحديث سبق تخريجه في الحاشية رقم (18).
[21]  - انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج 14 / ص 215).
[22]  - المصدر السابق.
[23]  - أخرجه البخاري في كتاب: الأدب – باب: الحياء (5766) (ج 5 / ص 2267)، ومسلم في كتاب: الإيمان - باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان (37) (ج 1 / ص 64).
[24]  - أخرجه البخاري في كتاب: الأدب – باب: الحياء (5767) (ج 5 / ص 2268)، ومسلم في كتاب: الإيمان - باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان (36) (ج 1 / ص 63).
[25]  - أخرجه أبو داود في كتاب: الحمّام – باب: النهي عن التعري (4012) (ج 2 / ص 436)، والنسائي في كتاب: الغسل والتيمم - باب: الاستتار عند الاغتسال (406) (ج 1 / ص 200)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1756)

أسامة
المراقب العام
المراقب العام

عدد المساهمات : 25
نقاط : 24949
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 11/02/2017

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى